كانت الليلة باردة جداً، والرياح تعوي بين أزقة المدينة القديمة، تحمل معها رائحة الصدأ والمطر العتيق. لم يكن هناك سوى ضوء خافت ينبعث من مصباح يتيم في نهاية الشارع الحجري، يتأرجح ببطء وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. وقف "آرثر" يراقب الظلال التي بدأت تتشكل على الجدران المتهالكة، مدركاً أن الأساطير التي سمعها في طفولته من العجائز المتجمعين حول نيران التدفئة لم تكن مجرد خرافات لتخويف الأطفال.
تنهد بعمق حتى خرج الهواء من فمه كغيمة بيضاء كثيفة، وأمسك بمقبض سيفه القديم. هذا السيف لم يكن مجرد قطعة من المعدن؛ لقد كان إرثاً عائلياً تتناقله الأجيال، يقال إنه صُنع من نيزك سقط في "وادي الذئاب" قبل مئات السنين. كان مقبضه مغلفاً بجلد تنين أسود، وشفرته تلمع بوهج فضي حتى في أحلك الليالي ظلاماً.
فجأة، انطفأ المصباح اليتيم بصوت فرقعة حادة. غرق الشارع في ظلام دامس. لم يعد آرثر يعتمد على بصره، بل أغمض عينيه وركز حواسه. سمع صوت خطوات خفيفة جداً، ليست خطوات بشرية بالتأكيد. كانت أشبه بصوت احتكاك الحراشف الجافة بالحجارة المبللة. الظلام بدأ يتحرك، يتشكل، يتنفس.
تقدم آرثر خطوة إلى الأمام، وسحب سيفه ببطء ليصدر صوتاً معدنياً رناناً شق صمت الليل. "أعلم أنكم هنا..." قالها بصوت منخفض لكنه حازم، يتردد صداه بين الجدران. "لقد انتظرتم طويلاً، وأنا أيضاً انتظرتكم."